فخر الدين الرازي

81

تفسير الرازي

خيراً لأسمعهم ) * يقتضي أنه ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم وقوله : * ( ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) * يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيراً ، وما علم فيهم خيراً وأما الخبر فقوله عليه السلام : " نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض ، فقد علمنا أن كلمة " لو " لا تفيد إلا الربط والله أعلم . وأما قوله : * ( إن الله على كل شيءٍ قدير ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : منهم من استدل به على أن المعدوم شيء ، قال : لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء ، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود ، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء . والجواب : لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئاً ، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئاً . المسألة الثانية : احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له ، فوجب أن لا يكون شيئاً ، واحتج أيضاً على ذلك بقوله تعالى : * ( ليس كمثله شيء ) * ( الشورى : 11 ) قال لو كان هو تعالى شيئاً لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله : * ( ليس كمثله شيء ) * فوجب أن لا يكون شيئاً حتى لا تتناقض هذه الآية ، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم ، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم ، واحتج أصحابنا بوجهين : الأول : قوله تعالى : * ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) * . ( الأنعام : 19 ) والثاني : قوله تعالى : * ( كل شيء هالك إلا وجهه ) * ( القصص : 88 ) والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئاً . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافاً لأبي علي وأبي هاشم ، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء ، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافاً للمعتزلة ، فإنهم يقولون : الاستطاعة قبل الفعل محال ، فالشئ إنما يكون مقدوراً قبل حدوثه ، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء ، وكل شيء مقدور ، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدوراً ترك العمل به فبقي معمولاً به في محل النزاع ، لأنه حال البقاء مقدوره ، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه ، أما حال الحدوث ، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوماً في أول زمان وجوده ، فلم يبق إلا أن يكون قادراً على إيجاده . المسألة الخامسة : تخصيص العام جائز في الجملة ، وأيضاً تخصيص العام جائز بدليل العقل ، لأن قوله : * ( والله على كل شيء قدير ) * ( البقرة : 284 ) يقتضي أن يكون قادراً على نفسه ثم خص بدليل العقل ، فإن قيل إذا كان اللفظ موضوعاً للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذباً ، وذلك يوجب الطعن في القرآن ، قلنا : لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع . فقد يستعمل مجازاً في الأكثر ،